مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
134
شرح فصوص الحكم
المستقيم من عند اللّه في حق عموم الناس وهو صراط الأنبياء كلهم المشار إليه بقوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أو تعلق في العموم بقوله غير خفي أي هذا الصراط المستقيم مشهور معروف بين الخلائق كلها وهو طريق الأنبياء طريق الهدى ( في كبير وصغير ) خبر ( عينه ) مبتدأ ( وجهول بأمور وعليم ) معطوف على الخبر فمعناه أن ذاته تعالى من حيث أسمائه وصفاته موجود في كبير وصغير أي في كلي وجزئي بالنسبة إلى الأسماء وبالنسبة إلى الأجسام في كبير الحجم وصغيره أي لا ذرة في الوجود إلا وهي نور من ذات الحق لكون كل ما في الوجود من الممكنات مخلوقا من نوره فالذات من حيث هي غنية عن الوجود الكوني ( ولهذا ) أي ولأجل كون ذات الحق مع جميع صفاته محيطا بكل شيء وفي كل شيء آية تدلّ على أنه واحد قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [ فصلت : 53 ] كل ذلك صراط مستقيم يوصل من مشى عليه إلى اللّه وهذا لسان الظاهر في كلامه قدس سره وأما لسان الباطن فستطلع عليه ( وسعت رحمته كل شيء من حقير وعظيم ) فإنه إذا كان ذات الحق مع صفاته موجودا في كل شيء ومن جملة صفاته رحمته فوسعت رحمته كل شيء فإذا كان كل شيء تحت قدرته تعالى كان ( ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ) أي اللّه ( آخِذٌ بِناصِيَتِها ) يتصرف فيها كيف يشاء على حسب علمه الأزلي التابع لعين المعلومات وأحوالها فلا جبر من اللّه إذ التصرف كيف كان لا يكون إلا تابعا للمعلومات ( إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) فإذا أخذ اللّه ناصية كل دابة ( فكل ماش فعلى صراط الرب المستقيم ) أي فكل ماش ما مشى إلا على صراط من أخذ بناصيته وهو ربه وما كان صراط به إلا مستقيما فما مشى إلا على صراط ربه الخاص فمن مشى على صراط ربه ( فهو ) أي الماشي على صراط ربه ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ من هذا الوجه ) أي من حيث أنه ماش على صراط ربه المستقيم لأن ربه راض عن فعله فلا غضب عليهم من ربهم ( وَلَا الضَّالِّينَ ) من هذا الوجه عن صراط ربهم المستقيم حتى يغضب عليهم ربهم ففي قوله من هذا الوجه دلالة على أن الغضب قد يقع عليهم من غير هذا الوجه كعبيد المضل غير المغضوب عليهم من ربهم لكنهم مغضوب عليهم من اسم الهادي لكونهم ضالين عن صراط الهادي ( فكما كان الضلال عارضا ) لأن الأرواح كلها بحسب الفطرة الأصلية قابلة للتوحيد لقوله تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] ولقول الرسول عليه السلام : « كل مولود يولد على فطرة الإسلام ثم أبواه يهوّدانه وينصرانه » « 1 » فما عرض الضلال إلا بالغواشي الطبيعية الظلمانية ( كذلك الغضب الإلهي عارض ) لقوله تعالى :
--> ( 1 ) ورد بلفظ « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه » ذكره الترمذي بهذا اللفظ 2138 ، والبيهقي في السنن الكبرى 6 : 203 .